وهبة الزحيلي
32
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
دون انتظار مقابل أو عوض دنيوي من الناس ، فإن ذا القرنين الذي أيده اللّه قال : ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ أي ما بسطه اللّه تعالى لي من القدرة والملك خير من خرجكم وأموالكم ، ولكن أعينوني بقوة الأبدان ، أي بالرجال وعمل الأبدان والآلة التي أبني بها السد ( الردم ) . وهذا بداية النجاح في العمل ، فإن القوم لو جمعوا له خرجا ، لم يعنه أحد ، ولتركوه يبني ، فكان عونهم أسرع في إنجاز العمل وإنجاح المشروع . 5 - تدل الآية أيضا : ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ على أن من واجب الملك أو الحاكم أن يقوم بحماية الخلق في حفظ ديارهم ، وإصلاح ثغورهم ، من أموالهم ، بشروط ثلاثة هي : الأول - ألا يستأثر عليهم بشيء . الثاني - أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم . الثالث - أن يسوّي في العطاء بينهم على قدر منازلهم . فإذا احتاج الحاكم إلى دعم رعيته ، بذلوا أنفسهم قبل أموالهم ، ويؤخذ بقدر الحاجة من أموالهم ، وتصرف بتدبير ، فهذا ذو القرنين أبى أخذ شيء من أموال القوم ، قائلا : إن الأموال عندي والرجال عندكم ، فكان التطوع بخدمة الأبدان أولى . وضابط الأمر : أنه لا يحل مال أحد إلا لضرورة تعرض ، فيؤخذ ذلك المال جهرا لا سرا ، وينفق بالعدل لا بالاستئثار ، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد بالأمر « 1 » . 6 - إن الحديد والنحاس من مرتكزات الصناعة الثقيلة قديما وحديثا ، فقد كانا أداة بناء السد المنيع على يد ذي القرنين ، وهما الآن المادة الأساسية في الصناعات المختلفة الحربية والسلمية .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 11 / 60